صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

334

تفسير القرآن الكريم

وقد ذمّ اللّه تعالى الناقصين الذين ليس لهم درجة المكالمة الباطنية مع الحقّ لكونهم في مرتبة الحيوان الأعجمى بقوله : لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ 3 / 77 ] ومدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خواصّ امّته وأوليائهم وحكمائهم بأنّهم محدّثون مكلّمون . وليس المراد من هذا التكلّم والتحدّث ما يكون بالحديث الظاهري والكلام الحسّي - الذي آلته جرم أحمر لحميّ مركّب من الأخلاط ، فإنه من الدّنيا ولا يكون شيء من الدنيا ممدوحا ولا محبوبا إلا بقدر ما يعبر به ويجعل الزاد للآخرة فإنها طريق الآخرة ، بل الدنيا وما فيها مبغوضة ممقوتة ملعونة عند اللّه وعند أوليائه كما قال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها » وقوله صلّى اللّه عليه وآله « 2 » : « حبّ الدنيا رأس كل خطيئة » - . إنما المراد من المكالمة في قول اللّه لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وفي قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : « انّهم محدّثون مكلّمون » المكالمة الحقيقية بين اللّه وبين خواصّ عباده ، وهي الإفاضات العلميّة المتواردة من الحقّ في المقاصد الربوبيّة عقيب التأمّلات القدسيّة الاستعدادية من العبد في المطالب الحكميّة الايمانيّة بتوسّط بعض ملائكة اللّه العقليّة ، إمّا صريحا مشاهدا في عالم المشاهدة البصرية والسمعية كما للأنبياء ، أولا - كما لغيرهم . أو لا ترى أن معنى « التكلّم » في حقّه تعالى - عند أصحابنا الإماميين رضوان اللّه عليهم - هو إيجاد القرآن أوّلا في قلب جبرئيل عند نزوله في السماء الدنيا ثمّ منه على قلب رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وآله ، ومنه إلى قلوب حكماء امّته ، فالإشارة في هذه الآية أن مثل الذين كفروا الآن كان في الحقيقة وفي عالم الأرواح عند عهد

--> ( 1 ) الجامع الصغير : 2 / 17 . ( 2 ) الجامع الصغير : 1 / 146 .